السيد حسن الحسيني الشيرازي

12

موسوعة الكلمة

والذوق الفني الرفيع - الذي قد يكون أهمّ شروط البلاغة - وهو الحسّ الذي يربط جميع الموجودات ، بشبكة واحدة شاملة من الأسباب والمسبّبات ، حتى لا يكون شيء في الوجود ، إلّا مسبّبا عن شيء وسببا لشيء . وهذا الذوق ، هو الفارق الوحيد بين الفن والعلم ، حيث إن دليل العلم هو العقل ، الذي يجزّئ الأشياء ثمّ يدرس كلّا من أجزائها بانفراد ، بينما يكون الإلهام دليل الفن ، الذي يجمع المتباينات في إطار من التناسق الجمالي ، ليجمع من تفاعلها صورة مطبوعة تضفي على الكون رواء جديدا ، وما كان الأدب فنّا إلّا بهذا الشمول . فالأديب أسبق من الفيلسوف في التطلّع إلى خفايا الأشياء ، وهو بهذا الذوق يبقى دليل الفيلسوف إلى الرابط الكوني العام . والرسول الأعظم صلّى اللّه عليه واله وسلّم أقوى من عرف هذا الرابط بدقّة الفيلسوف ، وعبّر عنه بأسلوب الأديب ، فأكّد على أن جميع الكائنات متوالدة عن بعضها إرادة فاعلة في الكون ، وممتدّة ممّا وراء الكون ، فإذا الكون كلّه واحدة مترابطة فيما بينها ، ومرتبطة بما وراءها ، برابط وثيق يكون إنكاره أعظم جريمة في الحياة ، وهو الكفر ، الذي يعاقب عليه الإنسان بالإعدام . فكان النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه واله وسلّم أستاذ الفيلسوف منذ كان ، ودليل الأديب إلى الأبد ، لأنّه عرف ما يعرفه الفيلسوف والأديب معا ، وعرف ما لم يعرفاه ، وهو الرابط العام بين مظاهر الطبيعة وما وراء الطبيعة ، وبين الدنيا والدين ، فلم يعرّف ما وراء الطبيعة إلّا بما يهيمن على الطبيعة ، ولم يفسّر الدين إلّا بما يصلح الدنيا ، وعبّر عن هذا التكامل الشامل بأقوال موجزة معجزة : ( من خاف الله ، أخاف الله منه كلّ شيء ، ومن لم يخف الله ، أخافه الله من كلّ شيء ) .